محمود شهابي

117

النظرة الدقيقة في قاعدة بسيط الحقيقة

فحسب . والظّاهر من الجمل الثّلاث الأخيرة من السّورة انّ بها نفيت تلك - الثّلاث من النّسب : الثّانية بالأولى والأولى بالثّانية والثّالثة بمثلها . ولعلّك ممّن خطر بباله ان يعرف لمّيّة تقديم نفى النّسبة الثّانية في الجواب ، مع انّ الوضع ، تبعا لأقتضاء الطبع ، يناسب التّأخير فعليك ان تتذكّر عرف السّائل واعتقاده فتفطن من ذلك ما صمد اليه واراده . وذلك انّ السّائل ، سواء كان من اليهود ، كما هو المعهود ، أو من النّصارى ، بل وأو من مشركي العرب ، لم يكن في الظاهر ، معتقدا بتحقق النّسبة الأولى للربّ ، تبارك وتعالى ، بل لعلّه كان ظاهرا معتقدا معترفا بانّه لم يولد ، وانّما كان يدّعى بانّ له ، سبحانه ، النسبة الثّانية ، فاليهود قالت : انّ له ابن ، وهو عزير ، والنّصارى ادّعت وقالت : بانّ له ابن وهو عيسى « وَقالَتِ الْيَهُودُ : عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى ، الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ، ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ - اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 30 - سوره التوبة ) ومشركوا العرب جازفوا في الكلام وقالوا بانّ له أولادا أنثى وهي الملائكة الأولى ( وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ ، سُبْحانَهُ ، وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ » - سورة النحل - ) ( أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً ، إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً 40 - سورة الإسراء - ) فالكلّ مجازفون في القول تائهون في تيه الجهل « وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ ، وَخَلَقَهُمْ ، وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ، ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ » « 1 » فكانّ السّائل أراد من سؤاله المزبور ( انسب لنا ربك ) ان يجاب بما يوافق مراده ويطابق دعويه واعتقاده ، من هذه النّسبة الكاذبة ( نسبة الوالديّة ) فكان الا - نسب الأحرى والأجدر الأولى في مقام الجواب عن تلك الدعوى ، وغيرها ، ممّا يحتمل ان يتوهّم أو يدّعى ، تقديم نفى تلك النّسبة على الأولى ثمّ نفى غيرها لبيان -

--> ( 1 ) - من السورة السادسة ( الانعام )